You are currently viewing معركة جبال البابور 2003: كيف حاصر الجيش الجزائري المسلحين داخل الجبال؟
معركة جبال البابور 2003

معركة جبال البابور 2003: كيف حاصر الجيش الجزائري المسلحين داخل الجبال؟

في سبتمبر/أيلول 2003، شهدت جبال البابور شمال ولاية سطيف واحدة من أبرز العمليات العسكرية التي نفذها الجيش الجزائري ضد الجماعات المسلحة خلال السنوات الأخيرة من العشرية السوداء. العملية استهدفت عناصر من الجماعة السلفية للدعوة والقتال، التي كانت تنشط في عدد من المناطق الجبلية بالجزائر.

استمرت العملية لأسابيع، وشاركت فيها قوة كبيرة من الجيش والأجهزة الأمنية، بينما اعتمد المسلحون على الطبيعة الوعرة للمنطقة، بما فيها الغابات والكهوف والمخابئ، لتجنب القوات الحكومية. وأصبحت العملية لاحقًا موضع اهتمام بسبب اختلاف الروايات حول حجم القوات المشاركة وعدد المسلحين الذين قُتلوا.

فكيف بدأت معركة جبال البابور 2003؟ وكيف تمكن الجيش الجزائري من تطويق منطقة جبلية معقدة؟ ولماذا ظهرت أرقام متناقضة حول خسائر المسلحين؟

خلفية معركة جبال البابور 2003

لفهم العملية، لا بد من وضعها في سياقها التاريخي.

خلال تسعينيات القرن العشرين، دخلت الجزائر في صراع مسلح واسع عُرف باسم العشرية السوداء. انتقلت المواجهة تدريجيًا من المدن والمناطق السكنية إلى الجبال والغابات، حيث وجدت الجماعات المسلحة أماكن مناسبة للاختباء والتحرك.

ومع نهاية التسعينيات، بدأت حدة العنف تتراجع نتيجة مجموعة من الإجراءات السياسية والأمنية، إلى جانب تخلي عدد من المسلحين عن العمل المسلح.

لكن بعض التنظيمات واصلت نشاطها.

وكان من أبرزها الجماعة السلفية للدعوة والقتال، المعروفة اختصارًا بـGSPC، والتي ظهرت في أواخر التسعينيات واستمرت في مواجهة السلطات الجزائرية.

اعتمد التنظيم بدرجة كبيرة على المناطق الجبلية، خصوصًا في شمال وشرق البلاد، حيث كانت التضاريس توفر للمجموعات الصغيرة قدرة أكبر على الاختباء وتجنب عمليات الملاحقة.

لماذا كانت جبال البابور مهمة؟

تقع جبال البابور في شمال شرق الجزائر، ضمن منطقة جبلية تتميز بارتفاعاتها الكبيرة وغاباتها الكثيفة وتضاريسها الصعبة.

وكانت هذه الخصائص تمنح أي مجموعة مسلحة موجودة في المنطقة بعض المزايا التكتيكية.

فالجبال تسمح بالاختباء داخل الكهوف والمناطق الحرجية، كما تجعل مراقبة جميع الممرات والمسالك أمرًا صعبًا بالنسبة للقوات العسكرية.

وبالنسبة للجيش، لم تكن المشكلة في الوصول إلى المنطقة فقط، بل في تحديد مواقع المسلحين ومنعهم من الانسحاب إلى مناطق أخرى.

ولهذا كان تطويق المنطقة خطوة أساسية في العملية.

بداية العملية العسكرية

بدأت العملية في 11 سبتمبر/أيلول 2003، وفق التصريحات التي ظهرت لاحقًا من القيادة العسكرية الجزائرية.

وتحدثت التقارير عن حشد قوة كبيرة من الجيش والأجهزة الأمنية وقوات الدفاع الذاتي للمشاركة في عمليات التمشيط.

وبحسب تصريحات اللواء سعيد باي، قائد الناحية العسكرية الخامسة آنذاك، بلغ عدد المشاركين في العملية نحو 3 آلاف عنصر.

وهنا يجب توضيح نقطة مهمة: لم يكن هؤلاء الجنود “محاصرين” داخل الجبال، كما قد يوحي عنوان العملية أحيانًا، بل كانوا القوة التي استخدمتها السلطات لتطويق المسلحين ومحاصرتهم داخل المنطقة الجبلية.

كان الهدف هو إغلاق طرق الخروج، ثم تنفيذ عمليات تمشيط تدريجية للوصول إلى المخابئ.

كيف جرت عمليات التمشيط؟

كانت القوات الجزائرية تتقدم بحذر داخل المنطقة، لأن التضاريس لم تكن تسمح بعملية عسكرية سريعة.

وكان احتمال وجود عبوات ناسفة أو كمائن أحد المخاطر الرئيسية أمام القوات.

وخلال العمليات، بدأت القوات في اكتشاف مخابئ تستخدمها الجماعات المسلحة.

وبحسب التصريحات العسكرية اللاحقة، تمكنت القوات من العثور على عدد من المخابئ والأنفاق وتدميرها.

وتشير التقارير المعاصرة إلى أن عمليات التمشيط شملت أيضًا تفكيك عبوات ناسفة والعثور على أسلحة ومعدات ومؤن.

هذا النوع من الاكتشافات كان مهمًا بالنسبة للقوات الجزائرية، لأنه كشف أن المسلحين لم يعتمدوا فقط على الاختباء في الغابات، وإنما أنشأوا مواقع ثابتة نسبيًا يمكن استخدامها لفترات أطول.

ومع اكتشاف هذه المواقع، بدأ نطاق حركة المسلحين يضيق.

المواجهات تزداد داخل الجبال

مع استمرار العملية، بدأت الاشتباكات تتصاعد.

وتحدثت تقارير في ذلك الوقت عن مقتل عدد من المسلحين وإصابة عسكريين خلال عمليات التمشيط.

لكن طبيعة المعركة جعلت من الصعب الحصول على صورة دقيقة وفورية عن حجم الخسائر.

فالمواجهات كانت تحدث في مناطق بعيدة عن المدن، وبعضها داخل الكهوف والمخابئ.

كما أن القوات كانت تتعامل مع منطقة واسعة يصعب على الصحفيين الوصول إلى جميع أجزائها.

وفي إحدى مراحل العملية، ظهرت تقارير عن وجود نساء وأطفال داخل بعض المواقع التي كانت تستخدمها الجماعات المسلحة.

وأصبحت عملية إخراج هؤلاء الأشخاص من المنطقة جزءًا من التعامل مع الوضع الميداني.

وجود المدنيين داخل منطقة العمليات زاد من تعقيد مهمة القوات، خصوصًا مع استمرار استخدام المدفعية ضد بعض المواقع التي يعتقد أن المسلحين يتحصنون فيها.

قصة 150 قتيلًا و105 جثث

في أواخر سبتمبر/أيلول 2003، ظهرت واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل حول العملية.

فقد تحدثت تقارير صحفية عن مقتل نحو 150 مسلحًا خلال أسبوعين من العمليات.

وكان الرقم الأكثر إثارة هو الحديث عن العثور على 105 جثث داخل الكهوف بعد عمليات قصف.

انتشرت هذه الرواية على نطاق واسع، وأصبح رقم 150 مرتبطًا بالعملية في عدد من التقارير التي تناولت أحداث جبال البابور.

لكن المشكلة أن هذا الرقم لم يتحول إلى حصيلة رسمية نهائية مؤكدة.

وهنا يجب الفصل بين ما ورد في التقارير الصحفية وبين ما أعلنته السلطات الجزائرية.

فالصحافة تحدثت عن أرقام كبيرة، بينما ظهرت لاحقًا أرقام رسمية أقل بكثير.

الرواية الرسمية حول خسائر المسلحين

في أكتوبر/تشرين الأول 2003، أعلن وزير الداخلية الجزائري آنذاك يزيد زرهوني أن عدد المسلحين الذين قُتلوا خلال عمليات التمشيط في جبال البابور بلغ 33 مسلحًا.

وهذا الرقم يختلف بصورة كبيرة عن رقم 150 الذي ورد في التقارير الصحفية.

ومن الصعب، استنادًا إلى المصادر المفتوحة المتاحة، تحديد سبب الاختلاف بشكل قاطع.

قد يكون أحد الأسباب هو اختلاف التقديرات أثناء استمرار العملية، أو طريقة احتساب القتلى، أو اعتماد الصحافة على مصادر غير رسمية.

لكن لا توجد أدلة كافية تسمح بتقديم رقم 150 باعتباره حقيقة نهائية.

لذلك، عند الحديث عن العملية تاريخيًا، من الأدق الإشارة إلى وجود روايات متعددة حول الخسائر بدل اعتماد أحد الأرقام دون تحفظ.

ماذا حقق الجيش الجزائري؟

رغم الخلاف حول أعداد القتلى، فإن نتائج العملية العسكرية نفسها كانت أكثر وضوحًا.

القوات الجزائرية تمكنت من الوصول إلى عدد من المخابئ والأنفاق وتدميرها، كما قتلت واعتقلت عددًا من المسلحين، وأجبرت آخرين على الفرار من المنطقة.

كما استمرت عمليات التمشيط بعد الاشتباكات الرئيسية، بهدف التأكد من عدم بقاء مجموعات مسلحة داخل المنطقة.

وهذا يعكس طبيعة العمليات ضد الجماعات المسلحة في الجبال: انتهاء الاشتباك الرئيسي لا يعني بالضرورة انتهاء المهمة، لأن مسلحين يمكن أن يختبئوا في مواقع بعيدة أو ينسحبوا إلى مناطق مجاورة.

هل كان الجيش يواجه 150 مسلحًا؟

لا توجد معلومات موثوقة كافية تسمح بتحديد العدد الدقيق للمسلحين الذين كانوا موجودين في جبال البابور عند بداية العملية.

فبعض التقارير تحدثت عن تجمع كبير، بينما ظهرت لاحقًا تقديرات مختلفة.

ولهذا من الأفضل عدم تقديم رقم محدد على أنه حقيقة مؤكدة.

الأمر نفسه ينطبق على حصيلة القتلى.

فالرقم 150 ورد في تقارير صحفية، بينما الرقم الرسمي الذي أعلنه وزير الداخلية كان 33 قتيلًا.

وبالتالي، فإن أي محتوى تاريخي يتناول العملية يجب أن يوضح هذا الاختلاف بدل دمج الروايتين في رقم واحد.

أهمية معركة جبال البابور في تاريخ الجزائر

وقعت العملية في مرحلة كانت فيها الجماعات المسلحة قد فقدت جزءًا كبيرًا من قوتها مقارنة بذروة العنف في التسعينيات.

لكن استمرار وجود مجموعات مسلحة في المناطق الجبلية أظهر أن الصراع لم ينتهِ بالكامل.

كانت استراتيجية الدولة الجزائرية تعتمد بصورة متزايدة على العمليات الأمنية والعسكرية المركزة لاستهداف الجيوب المسلحة، بدل خوض مواجهات واسعة في مناطق مأهولة.

وتُظهر عملية جبال البابور أهمية التطويق والتمشيط والمعلومات الاستخباراتية في التعامل مع جماعات تعتمد على الطبيعة الجغرافية كوسيلة للحماية.

كما توضح أن السيطرة على منطقة جبلية لا تتحقق بمجرد دخول القوات إليها، بل تتطلب تأمين المسالك، وتحديد المخابئ، ومنع طرق الهروب، ثم الاستمرار في عمليات البحث بعد انتهاء الاشتباكات.

الخلاصة

كانت معركة جبال البابور 2003 عملية عسكرية واسعة نفذها الجيش الجزائري ضد عناصر من الجماعة السلفية للدعوة والقتال في منطقة جبلية شمال شرق الجزائر.

بدأت العملية في 11 سبتمبر/أيلول 2003، وشارك فيها، وفق تصريحات عسكرية جزائرية، نحو 3 آلاف عنصر من القوات والجهات الأمنية.

اعتمد الجيش على تطويق المنطقة وعمليات التمشيط للوصول إلى المخابئ التي استخدمها المسلحون، بينما استفادت الجماعات المسلحة من الطبيعة الوعرة للجبال والكهوف والغابات.

أما السؤال الأكثر إثارة للجدل، وهو عدد قتلى المسلحين، فلا توجد إجابة نهائية مؤكدة في المصادر المفتوحة. فقد تحدثت تقارير صحفية عن 150 قتيلًا و105 جثث داخل الكهوف، بينما أعلنت السلطات لاحقًا مقتل 33 مسلحًا.

لذلك، فإن معركة جبال البابور 2003 تُعد مثالًا مهمًا على طبيعة العمليات العسكرية الجزائرية في المرحلة الأخيرة من العشرية السوداء، كما تكشف عن صعوبة توثيق المعارك التي جرت في مناطق جبلية مغلقة وبعيدة عن التغطية الإعلامية المباشرة.

اترك تعليقاً