يحيي العراقيون في الثامن من آب/أغسطس من كل عام ذكرى ما يُعرف رسميًا وشعبيًا بـ”يوم النصر العظيم”، وهو التاريخ الذي أُعلن فيه وقف إطلاق النار بين العراق وإيران عام 1988، لتضع بذلك واحدة من أطول وأعنف الحروب التقليدية في التاريخ الحديث أوزارها بعد ثماني سنوات متواصلة من القتال.
خلفية الحرب العراقية الإيرانية
اندلعت الحرب بين البلدين في أيلول/سبتمبر 1980، واستمرت حتى صيف 1988، لتصبح من أطول الحروب التقليدية بين دولتين في القرن العشرين. خلّفت الحرب خسائر بشرية ومادية هائلة على الطرفين، وشهدت استخدام أسلحة ثقيلة ومحرّمة دوليًا في عدد من جبهاتها، إضافة إلى استهداف المدن والمنشآت النفطية والاقتصادية على الجانبين.
الطريق إلى وقف إطلاق النار
قرار مجلس الأمن رقم 598
جاء وقف إطلاق النار تنفيذًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 الصادر في تموز/يوليو 1987، والذي دعا الطرفين إلى وقف القتال والانسحاب إلى الحدود المعترف بها دوليًا، وتبادل الأسرى، والدخول في مفاوضات مباشرة برعاية الأمم المتحدة. وبعد مماطلة استمرت لأشهر، أعلنت طهران في تموز/يوليو 1988 قبولها بالقرار، فيما وصف القائد الإيراني آنذاك آية الله الخميني هذا القرار بأنه أشبه بتجرّع كأس السم، في إشارة إلى صعوبة القرار عليه بعد سنوات من رفض أي تسوية.
إعلان وقف إطلاق النار رسميًا
في الثامن من آب/أغسطس 1988، دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ رسميًا بين البلدين، لتشهد المدن العراقية احتفالات شعبية واسعة اعتُبرت فيها نهاية الحرب بمثابة انتصار وطني. وأعقب ذلك انطلاق مفاوضات مباشرة بين الوفدين العراقي والإيراني في جنيف، امتدت من أواخر آب حتى مطلع أيلول من العام نفسه، لبحث آليات تطبيق القرار الأممي، وإن كانت هذه الجولات قد واجهت خلافات حول قضايا مثل حرية الملاحة في مضيق هرمز وتبادل الأسرى.
لماذا يُطلق عليه “يوم النصر العظيم”؟
في الرواية الرسمية العراقية التي سادت خلال حقبة الرئيس الأسبق صدام حسين، جرى تقديم وقف إطلاق النار باعتباره انتصارًا عسكريًا وسياسيًا حاسمًا للعراق، وأُطلق عليه اسم “القادسية الثانية”، في مقاربة رمزية مع معركة القادسية التاريخية. وارتبط هذا اليوم في الذاكرة الرسمية بعروض عسكرية ومهرجانات احتفالية ضخمة كانت تُقام سنويًا في بغداد.
قراءات مختلفة لنتائج الحرب
في المقابل، يرى كثير من المؤرخين والباحثين أن نتيجة الحرب كانت أقرب إلى حالة استنزاف متبادل منها إلى انتصار حاسم لأي من الطرفين، إذ انتهت الحرب دون تغيير جوهري في الحدود بين البلدين مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاعها عام 1980. وقد خلّفت الحرب، بحسب تقديرات متفاوتة، مئات الآلاف من القتلى والجرحى على الجانبين، إلى جانب أضرار اقتصادية بالغة أثّرت على مسار البلدين لسنوات لاحقة. لذلك تبقى صفة “النصر” محل نقاش وتباين في التقييم بين الرواية الرسمية العراقية آنذاك وبين قراءات أكاديمية وتحليلية أخرى تصف نتيجة الحرب بأنها كانت شبه تعادل مكلف للطرفين.
الذكرى اليوم
رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على الحدث وتغيّر النظام السياسي في العراق منذ عام 2003، لا يزال الثامن من آب يحضر سنويًا في الذاكرة الجمعية العراقية، إذ يستذكره كثير من العراقيين عبر منصات التواصل الاجتماعي ومقالات الرأي، بوصفه محطة فارقة أنهت واحدة من أكثر الحروب دموية التي عاشتها المنطقة في القرن العشرين، وإن اختلفت الرؤى حول توصيفها الدقيق بين “نصر” و”نهاية حرب استنزاف طويلة”.
خاتمة
يبقى يوم 8/8/1988 محطة مفصلية في التاريخ العراقي الإيراني الحديث، إذ وضع حدًا لثماني سنوات من الحرب المدمرة، لكنه في الوقت ذاته لا يزال موضع جدل بين من يراه يوم نصر وطني خالص، ومن يعتبره مجرد نهاية لصراع طويل لم يحقق لأي من الطرفين مكاسب استراتيجية واضحة تُذكر.
المصادر
- خبرني: https://www.khaberni.com/news/8-8-1988-بيان-البيانات-فيديو-171496-171496
- كتابات: https://kitabat.com/881988-يوم-السلام-العراقي-الإيراني/
- المنتدى العربي للدفاع والتسليح: https://defense-arab.com/vb/threads/124606/