يشير “يوم النصر العظيم” في الذاكرة العراقية إلى الثامن من آب/أغسطس 1988، تاريخ إعلان وقف إطلاق النار بين العراق وإيران بعد ثماني سنوات من الحرب. لكن هذا اليوم لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجًا لسلسلة من العمليات العسكرية الحاسمة التي شنّها الجيش العراقي خلال شهري نيسان وتموز من العام نفسه، وعلى رأسها معركة تحرير الفاو، والتي غيّرت مسار الحرب بأكملها ودفعت القيادة الإيرانية في نهاية المطاف إلى القبول بوقف القتال.
معركة تحرير الفاو: نقطة التحول الكبرى
خلفية احتلال شبه جزيرة الفاو
كانت القوات الإيرانية قد تمكنت في شباط/فبراير 1986، ضمن عملية أطلقت عليها اسم “فجر 8″، من السيطرة على شبه جزيرة الفاو الاستراتيجية جنوب العراق، بعدما انهارت وحدات عراقية غير مدرّبة بشكل كافٍ أمام الهجوم المفاجئ لقوات الحرس الثوري الإيراني. وظل الاحتلال الإيراني للفاو قائمًا لعامين كاملين، حارمًا العراق من منفذه المائي المباشر على الخليج عبر شط العرب.
عملية “رمضان مبارك” لاستعادة الفاو
في فجر يوم 17 نيسان/أبريل 1988، وهو اليوم الأول من شهر رمضان في ذلك العام، أطلق الجيش العراقي عملية عسكرية واسعة حملت اسم “رمضان مبارك” لاستعادة شبه جزيرة الفاو. سبق الهجوم البري قصف مدفعي وصاروخي مكثف استمر نحو خمس وأربعين دقيقة من مئات المدافع وقاذفات الصواريخ، أعقبه اندفاع الدبابات والمشاة لاجتياز المستنقعات المالحة والأهوار المحيطة بالمنطقة، بدعم من زوارق مسلحة انطلقت من ميناء أم قصر وغطاء جوي من سلاح الجو العراقي.
وبحسب ما توثقه مصادر عسكرية عراقية، تمكنت القوات العراقية من تحرير كامل شبه جزيرة الفاو خلال نحو خمس وثلاثين ساعة فقط، موقعة خسائر كبيرة في صفوف القوات الإيرانية المتمركزة هناك. واعتُبرت هذه المعركة، التي أُطلق عليها لاحقًا اسم “بوابة النصر العظيم”، نقطة تحول حقيقية في مسار الحرب لصالح العراق بعد سنوات من الحرب الاستنزافية.
موجة العمليات التي أعقبت تحرير الفاو
لم تتوقف العمليات العسكرية العراقية عند حدود الفاو، بل تبعتها سلسلة من الهجمات المتلاحقة خلال الأشهر التالية استهدفت استعادة مناطق أخرى كانت لا تزال تحت السيطرة الإيرانية، من بينها مناطق شرق البصرة وجزيرة مجنون ومنطقة مهران الحدودية. وأسهمت هذه الانتصارات المتتالية في زعزعة الروح المعنوية لدى القيادة العسكرية الإيرانية، وسط تقارير عسكرية داخلية إيرانية حذّرت من استحالة تحقيق أي انتصار حاسم على الجبهات خلال السنوات المقبلة في ظل موازين القوى المستجدة.
الأثر السياسي: قبول إيران بوقف إطلاق النار
دفعت هذه الهزائم المتلاحقة، إلى جانب عوامل أخرى داخلية واقتصادية وعسكرية، القيادة الإيرانية إلى إعادة تقييم موقفها من مواصلة الحرب. وفي تموز/يوليو 1988، أعلن المرشد الإيراني آية الله الخميني قبول بلاده بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 الخاص بوقف إطلاق النار، واصفًا هذا القرار بأنه أشبه بتجرّع كأس السم نظرًا لصعوبته عليه بعد سنوات من الإصرار على مواصلة القتال. وأعقب ذلك دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ الفعلي في الثامن من آب/أغسطس من العام نفسه، وهو التاريخ الذي أصبح يُعرف لاحقًا بـ”يوم النصر العظيم” في الأدبيات العراقية الرسمية.
بين الرواية العسكرية والتقييم التاريخي
تحرص المصادر العراقية الرسمية والشعبية على تقديم معارك عام 1988، وفي مقدمتها تحرير الفاو، باعتبارها الأساس المباشر الذي أجبر إيران على القبول بإنهاء الحرب، وهو ما تدعمه فعليًا بعض التحليلات العسكرية التي تصف معركة الفاو بأنها شكلت نقطة تحول ميدانية واضحة. غير أن مؤرخين وباحثين آخرين يشيرون إلى أن قرار إيران بقبول وقف إطلاق النار جاء نتيجة تراكم عوامل متعددة، عسكرية واقتصادية وسياسية، وليس فقط نتيجة معركة أو عملية عسكرية واحدة، وأن الحرب في مجملها انتهت دون تغيير جوهري في الحدود بين البلدين مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاعها.
خاتمة
شكّلت معركة تحرير الفاو والعمليات التي تلتها خلال عام 1988 المحطة العسكرية الحاسمة التي مهّدت الطريق أمام وقف إطلاق النار في الثامن من آب من العام نفسه. وبغض النظر عن اختلاف التقييمات حول طبيعة النتيجة النهائية للحرب، تبقى هذه المعارك حاضرة بقوة في الذاكرة العسكرية والشعبية العراقية، باعتبارها اللحظة التي غيّرت مسار صراع استمر ثماني سنوات كاملة.